أبو الليث السمرقندي
235
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ويقال : تمسكوا بسبيل السنة والهدى ، وَلا تَفَرَّقُوا . يقول : ولا تختلفوا في الدين ، كاختلاف اليهود والنصارى . ويقال : لا تختلفوا فيما بينكم بالعداوة والبغضاء ويقال وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً يعني : اطلبوا النصرة من اللّه لا من القبائل والعشيرة . ويقال : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ، يعني ما اشتبه عليكم ، فردوه إلى كتاب اللّه كقوله تعالى : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [ النساء : 59 ] وقال بعض الحكماء : إن مثل من في الدنيا ، كمثل من وقع في بئر ، فيها من كل نوع من الآفات ، فلا يمكنه أن يخرج منها والنجاة من آفاتها إلا بحبل وثيق ، فكذلك الدنيا دار محنة ، وفيها كل نوع من الآفات ، فلا سبيل إلى النجاة منها إلا بالتمسك بحبل وثيق ، وهو كتاب اللّه تعالى . ثم ذكّرهم نعمته فقال تعالى : اذْكُرُوا نعمتي واحفظوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الإسلام إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً في الجاهلية فَأَلَّفَ اللّه بَيْنَ قُلُوبِكُمْ يعني جمع بين قلوبكم بالإسلام تودّدا فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً يقول : فصرتم بنعمة الإسلام إِخْواناً في الدين ، وكل ما ذكر في القرآن أصبحتم ، معناه صرتم ، كقوله : أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً [ الكهف : 41 ] أي صار ماؤكم غورا ، وهذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج ، كان بينهم قتال قبل الإسلام بأربعين عاما ، حتى كادوا أن يتفانوا ، فلما بعث النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بمكة آمن به الأوس والخزرج ، وهم بالمدينة ، ثم خرج إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمكة ، قبل أن يهاجر منهم سبعون رجلا ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومعه عمه العباس حتى أتى إلى العقبة إلى سبعين رجلا من الأنصار فعاهدوه ثم رجعوا إلى المدينة ، وهاجر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم بعد الحولين ، فوقعت بين الأوس والخزرج ألفة ، وزالت عنهم العداوة التي كانت بينهم في الجاهلية بالإسلام ، وهذا كما ذكر في آية أخرى : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [ الأنفال : 63 ] . وروي عن جابر بن عبد اللّه أن رجلين من الأنصار : أحدهما من الأوس ، والآخر من الخزرج ، تفاخرا فيما بينهما ، واقتتلا ، فاستعان كل واحد منهما بقومه ، فاجتمعت الأوس والخزرج ، وأخذوا السلاح ، وخرجوا للحرب ، فبلغ الخبر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فخرج إليهم في ثلاثين من المهاجرين ، وهو راكب على حمار له قال جابر : فما كان من طالع يومئذ أكرم إلينا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إذ طلع علينا ، فأومأ إلينا بيده ، فكففنا ، ووقف بيننا على حمار له فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ إلى قوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ . إلى قوله : عَذابٌ عَظِيمٌ فألقوا السلاح وأطفؤوا الحرب التي كانت بينهم ، وعاتق بعضهم بعضا يبكون ، فما رأيت الناس أكثر باكيا من يومئذ ، فلم يكن في الأرض شخص أحب إليهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعد نزول هذه الآية .